ابن حزم
191
الاحكام
أن الله عز وجل قد أمر بجلد كل زان على كل حال ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكم على الزاني المحصن بالجلد مع الرجم ، وأنه عليه السلام لم يخالف ربه قط ، ولا شك عندنا في أن ماعزا جلد مع الرجم ، ولا ندري إن كان أمره بعد ورود النص بالجلد مع الرجم وقد يمكن أن يكون رجمه قبل نزول آية الجلد ، فقد روينا بأصح طريق أنه قيل لبعض الصحابة رضوان الله عليهم في رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم المحصن والمحصنة أكان ذلك قبل نزول سورة النور أم بعد نزولها ؟ فقال : لا أدري ، فصح قولنا ، وكذلك فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه جلد شراحة الهمدانية ثم رجمها . وكذلك نقول أيضا إن الله عز وجل قد أمر كل قارئ بالاستعاذة ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخالف أمر ربه قط ، ولا شك عندنا في وجوب الاستعاذة في الصلاة وقد استعاذ قبل القراءة جماعة من الصحابة . روينا ذلك عنهم بالسند الصحيح ، وما روي إنكار ذلك عن أحد منهم ، ولا يبطل ما صح بقول القائل لعله نسخ ، ولا بأن يروى أنه عليه السلام كرره وكذلك إن كان أمرا فلا يبطل بألا يروى أنه عليه السلام فعله ، وقد بينا أن الامر ساعة وروده يلزم ما لم يتيقن نسخه ، ولو كان الامر لا يصح إلا بأن يكرر للزم مثل ذلك في التكرار ، وفي تكرار التكرار إلى ما لا نهاية له ، وللزم مثل ذلك في الافعال ، فكان لا تصح شريعة أبدا . وهذا قول يؤدي إلى إبطال جميع الشرائع وإلى الكفر ، وليس الأمر الثاني بأوكد من الأول أصلا . قال علي : ثم نعكس عليهم هذا السؤال الفاسد فنقول لمن كان منهم مالكيا أتقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الزكاة من زيت الفجل ، ومن الفول والعلس ومن عروض التجارة ، وقد كان ذلك موجودا بالمدينة ، وكانت التجارة هي الغالبة على المهاجرين ، ومعاش جميع أهل مكة لا نحاشي منهم أحدا في أيامه عليه السلام وهل حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في الثمار ، وقد كانت تتبايع على عهده بالمدينة بلا شك ؟ .